
وبلاگ سپهران | المعالم السياحية | قلعة البرتغاليين في قشم | التاريخ، العمارة ودليل زيارة القلعة في جزيرة قشم
قلعة البرتغاليين في قشم تُعَدّ إرثاً ضخماً من زمن الاستعمار البرتغالي ورمزاً من رموز مقاومة الإيرانيين في قلب الخليج الفارسي. جزيرة قشم، أكبر جزيرة في الخليج الفارسي، تتلألأ كجوهرة خضراء وسط المياه الزرقاء في جنوب إيران. هذه الجزيرة ليست مميزة بمساحتها الكبيرة فحسب، بل تحتضن أيضاً تنوعاً مدهشاً من المعالم الطبيعية والتاريخية. كل زاوية من قشم كتاب حيّ من الطبيعة والتاريخ؛ من وادي النجوم الذي يعتقد السكان المحليون أنه مكان اصطدام النجوم بالأرض، وأصبح اليوم واحداً من أندر الجيوباركات في العالم، إلى غابات المانغروف (الحَرا) التي تتنفس مع المد والجزر وتشكل موطناً للطيور المهاجرة والكائنات البحرية النادرة.
ولكن بين كل هذه الروائع، يقف على الساحل الشمالي لجزيرة قشم بناء لم ينبثق من الطبيعة، بل من أعماق التاريخ والصراعات السياسية والعسكرية. هذا الحصن المنيع بأسواره العالية وأبراج المراقبة السميكة يقف كحارس صامت فوق صفحات التاريخ، حاملاً في ذاكرته أحداثاً مريرة وحلوة من القرن السادس عشر.
تقع قلعة البرتغاليين في قشم على الساحل الشمالي لجزيرة قشم وفي قلب مدينة قشم، ما يجعل الوصول إليها سهلاً للغاية سواء من داخل المدينة أو من باقي مناطق الجزيرة.
🛣️ طرق الوصول إلى القلعة:
📍 العنوان: إيران – محافظة هرمزكان – جزيرة قشم – بوليفارد جيوبارك.
ترتبط قصة قلعة البرتغاليين في قشم باسم بارز في تاريخ الملاحة البرتغالية؛ ألفونسو دي ألبوكيرك. هذا القائد الطموح أدرك في مطلع القرن السادس عشر أن أي قوة تستطيع السيطرة على ثلاث نقاط استراتيجية في العالم؛ مضيق هرمز في الخليج الفارسي، خليج عدن عند مدخل البحر الأحمر، ومضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، ستتحكم في طرق التجارة العالمية. بناءً على هذه الرؤية، توجه نحو مياه جنوب إيران، واحتل جزيرة هرمز ثم جزيرة قشم عام 1514م.
لتثبيت سلطتهم، شيّد البرتغاليون قلاعاً حجرية في أماكن مختلفة من الخليج الفارسي، وكانت قلعة قشم واحدة من أبرز هذه التحصينات. استغرق بناؤها نحو ثلاثين عاماً، وتحولت إلى مقر للقيادة العسكرية والتجارية في المنطقة. أسوارها العالية وأبراجها الضخمة وخنادقها المحيطة تؤكد نية البرتغاليين البقاء طويلاً في جنوب إيران.
لأكثر من قرن كامل، كانت القلعة رمزاً لقوة المستعمر. فمن هذا الموقع، كانوا يسيطرون على مسارات السفن التجارية، يفرضون الضرائب الباهظة، ويحصلون على أرباح ضخمة من تجارة التوابل واللؤلؤ والبضائع الشرقية. استمر وجودهم في قشم وموانئ إيران الأخرى نحو 110 سنوات. لكن هذا الاحتلال لم يكن أبدياً. ففي عام 1623م، هاجم الجيش الإيراني بقيادة الإمام قلي خان الصفوي القلعة. وبعد معركة شرسة، سقط الحصن ورفع العلم الإيراني. بهذا النصر، لم يتحرر أهل قشم فحسب، بل تحرر الخليج الفارسي بأكمله من براثن الاستعمار الأوروبي.
بعد ذلك فقدت القلعة أهميتها العسكرية وبدأت تُنسى تدريجياً. وفي عام 1999م، تمكن عالم الآثار الإيراني إحسان يغمايي من كشف بقايا القلعة من تحت التراب. وبعدها تم العثور على أنفاق سرية كانت تصل إلى داخل الحصن، ربما استُخدمت لنقل الجنود أو هروب القادة.
إلا أن زلزالاً عنيفاً في العام التالي ألحق أضراراً جسيمة بجدارها الشرقي، فتوقفت الحفريات. لكن في عام 2010، تولت منظمة التراث الثقافي في منطقة قشم الحرة إدارة القلعة وبدأت أعمال الترميم والتقوية والإضاءة.
واحدة من مزايا زيارة قلعة البرتغاليين هي موقعها في قلب مدينة قشم، ما يجعل العثور على مكان للإقامة أمراً سهلاً.
مناخ جزيرة قشم بشكل عام حار ورطب، وهذا يجعل السفر إليها يختلف من فصل لآخر. بسبب الرطوبة العالية والشمس الحارقة، فإن فصل الصيف ليس مناسباً لزيارة قلعة البرتغاليين، خاصة وأنها تقع في الهواء الطلق ولا توفر ظلالاً كافية.
لكن بمجرد أن تبدأ الأشهر الباردة، أي من أواخر الخريف حتى أوائل الربيع، يصبح الجو في قشم ألطف، وزيارة القلعة مع التجول بين أروقتها التاريخية تجربة لا تُنسى. في هذه الفترة، يضفي نسيم البحر نكهة منعشة ويُمكنك التجوال لساعات طويلة دون عناء.
إذا كنت من الذين يفضلون الهدوء وتجنب الازدحام، فإن شهري ديسمبر ويناير هما الخيار الأفضل، حيث تكون الجزيرة أقل ازدحاماً. أما في عطلة عيد النوروز وفصل الربيع، تتحول قشم إلى واحدة من أكثر الوجهات السياحية ازدحاماً، وتمتلئ محيطات القلعة بالزوار.
عند دخولك قلعة البرتغاليين، أول ما يلفت انتباهك هو جدرانها السميكة والمرتفعة التي صُممت لمقاومة قرون من الرياح والأمطار والحروب. هذه القلعة ليست مجرد بناء تاريخي عادي، بل مثال ثمين على اندماج الهندسة العسكرية الأوروبية مع المواد المحلية لجنوب إيران. شُيّدت القلعة على مساحة تُقارب 2000 متر مربع، وبشكل رباعي غير منتظم. في كل زاوية برج بارتفاع 12 متراً، كانت تُستخدم لمراقبة البحر وتمركز المدافع. يصل سُمك الجدران في بعض النقاط إلى 4 أمتار، وهو ما منح البرتغاليين ثقة بالتحصين ضد أي هجمات مفاجئة.
المواد المستعملة في البناء أيضاً لها قصة؛ حيث استُخدمت الأحجار المرجانية من سواحل قشم مع الجص والـ”ساروج”، ما أعطى القلعة قدرة على مقاومة الرطوبة العالية في الجزيرة. وكان حول القلعة خندق مائي يعيق تقدم الأعداء ويجمع مياه الأمطار. أما داخل القلعة فكان يضم ثكنة للجنود، مستودع ذخيرة، سجن، خزان مياه وحتى كنيسة صغيرة. هذا التخطيط يدل على أن القلعة لم تكن ملجأً مؤقتاً، بل مدينة صغيرة بين الجدران.
ومن المثير أن بعض تفاصيل العمارة الداخلية تُظهر تأثير المعمار الإيراني المحلي، خاصة في تصميم الخزانات والقباب، ما يكشف استعانة البرتغاليين بخبرة البنّائين المحليين. اليوم، رغم انهيار أجزاء من الجدران وردم الخندق، ما زال بإمكانك أن تتخيل عظمة القلعة. يكفي أن تقف فوق أحد الأبراج الباقية لتشاهد أفق الخليج الفارسي حيث كانت مدافع البرتغاليين تترقب مرور السفن.
القلعة ليست مجرد أثر معماري، بل وثيقة حية من زمن الاستعمار الأوروبي للخليج الفارسي. من هنا، كان البرتغاليون يسعون للسيطرة على طرق التجارة الشرقية عبر أساطيلهم القوية. لكن معركة عام 1623 أثبتت أن إرادة الشعب الإيراني أقوى من أي حصن.
زيارة القلعة اليوم تعني السير في ممر يربط الماضي بالحاضر؛ بين عظمة العمارة العسكرية وبين مشهد البحر اللامتناهي الذي لا يزال شاهداً على التاريخ.
تُعَدّ قلعة البرتغاليين في قشم من المعالم السياحية التي لا تفرض قيوداً خاصة على الزوار، فهي تقريباً مناسبة وجذابة لجميع الفئات العمرية. المسارات المحيطة بالقلعة ممهدة، ومعظم مساحتها مصممة بطريقة تجعل كبار السن أو العائلات مع أطفال صغار قادرين على التجول فيها بسهولة وراحة.
مع ذلك، يجب الانتباه إلى أن بعض أجزاء البناء ما زالت وعرة وغير مستوية، وأن الصعود إلى الأبراج أو الأسوار المرتفعة يحتاج إلى قليل من اللياقة البدنية والانتباه. لذلك، إذا كنت ترغب في الاستمتاع بمشاهدة الخليج الفارسي من فوق أبراج القلعة، فمن الأفضل أن تكون مستعداً للمشي والصعود عبر السلالم القديمة.
بالنسبة لعشاق التاريخ والعمارة، فإن زيارة القلعة أشبه بتقليب صفحات كتاب حيّ؛ فكل جدار وحجر فيها يروي قصة من قصص المقاومة والاستعمار. أما هواة التصوير، فإن الضوء والظلال على الجدران الحجرية وغروب الشمس فوق مياه الخليج الفارسي، تخلق مشاهد لا مثيل لها في أماكن أخرى.
وباختصار، القلعة وجهة مناسبة للجميع: العائلات، مجموعات الأصدقاء، محبي التاريخ، المصورين، وحتى السياح الباحثين عن نزهة خفيفة في أجواء تاريخية. كل ما تحتاجه هو ارتداء حذاء مريح والتحلي بقليل من روح المغامرة لتستمتع برحلة قصيرة تأخذك إلى قلب التاريخ.
زيارة قلعة البرتغاليين في قشم لا تتطلب تجهيزات معقدة أو أدوات خاصة، لكن وجود بعض الأشياء البسيطة يجعل التجربة أكثر راحة ومتعة. ساحة القلعة مسطحة بشكل عام والتجول فيها ليس صعباً، ومع ذلك فإن ارتداء حذاء مريح للمشي يساعدك على التنقل بين الجدران الحجرية دون تعب. وبما أن الزيارة تستغرق عادة بين ساعة إلى ساعتين، فإن حمل زجاجة ماء وبعض الوجبات الخفيفة، خاصة إذا كنت مع الأطفال أو كبار السن، سيكون مفيداً جداً. شمس جنوب إيران قوية ولا ترحم؛ لذلك فإن واقي الشمس والقبعة ذات الحافة الواسعة والنظارات الشمسية من ضروريات الرحلة.
في الفصول الحارة، يمكن أن يكون حمل مروحة يدوية أو مناديل مبردة مفيداً لتخفيف الحر. وأخيراً، لا تنسَ الكاميرا أو الهاتف المشحون بالكامل لتوثيق لحظات الغروب الرائعة من أعلى أبراج القلعة.
القلعة في الأساس موقع أثري تاريخي أكثر من كونها مكاناً مجهزاً بالخدمات الحديثة؛ لذلك عند دخولك لن ترى سوى الجدران السميكة والأبراج وبقايا عمرها قرون. هذه البساطة جزء من جاذبيتها لأنها تعيدك إلى أجواء الماضي.
ومع ذلك، فإن موقع القلعة في قلب مدينة قشم جعل الوصول إلى الخدمات أمراً سهلاً. فبخطوات قليلة تصل إلى مطاعم محلية وبحرية، محلات حلويات وآيس كريم تقليدية، أسواق كبيرة، حدائق عامة، مساجد وحتى فنادق. وجود المصارف والمتاجر الكبيرة بالقرب من القلعة جعل الزيارة أكثر سهولة للسياح. ولهذا يمكن زيارة الموقع دون أي قلق بشأن المرافق.
دخول قلعة البرتغاليين يتطلب شراء تذكرة تختلف أسعارها بين الزوار الإيرانيين والأجانب. ورغم أن المبلغ ليس كبيراً، إلا أن هذه الرسوم تُستخدم في صيانة وترميم وحماية الموقع التاريخي.
عادةً ما تكون ساعات الزيارة من الساعة 8 صباحاً حتى 6 مساءً، وهو الوقت الذي يكون فيه الجو مناسباً والرؤية واضحة. متوسط الوقت الذي يقضيه الزوار في القلعة يتراوح بين ساعة وساعتين؛ وهي مدة كافية لمشاهدة الجدران والأبراج والساحة الداخلية والتقاط الصور المطلة على الخليج الفارسي. للمهتمين بالتصوير، ينصح بزيارة القلعة عند الغروب، حيث ينعكس الضوء الذهبي للشمس على الأحجار المرجانية ليخلق مشهداً ساحراً وفريداً.
قلعة البرتغاليين في قشم ليست مجرد حصن عسكري مهجور؛ ففي جدرانها السميكة تختبئ أسرار كثيرة، كل منها يفتح نافذة على الماضي.
مدافع التاريخ الصامت: لا تزال بعض المدافع الحديدية موجودة في أركان القلعة؛ مدافع كانت أصواتها المرعبة تزلزل سفن الأعداء في الماضي. ومع أن معظمها نُقل إلى أماكن أخرى في قشم، إلا أن القليل الباقي يكفي لتذكير الزوار بأيام العدوان.
الأنفاق الغامضة تحت الأرض: تحت أقدام الزوار توجد شبكة من الأنفاق اكتشف علماء الآثار أجزاءً منها. يُقال إنها كانت تمتد حتى ساحة سعدي في قشم، ويقدَّر طولها أحياناً بـ 15 كيلومتراً. هذه الممرات كانت على الأرجح تُستخدم لفرار القادة أو لنقل المؤن أثناء الحصار.
الرسومات والنقوش على الجدران: الماضي لا يختبئ فقط في المدافع والأبراج؛ على بعض الجدران ما زالت آثار رسومات ونقوش خلفها السكان المحليون لاحقاً. هذه الإبداعات البسيطة تُظهر أن القلعة حتى بعد انتهاء دورها العسكري بقيت جزءاً من حياة أهل قشم.
هذه الأسرار ليست إلا جزءاً صغيراً من القصص غير المروية للقلعة. فكل حجر فيها قد يحمل حكاية تنتظر من يكشفها.
قلعة البرتغاليين في قشم ليست مجرد مبنى تاريخي؛ بل دفتر حيّ يسرد قصة الخليج الفارسي وشعب إيران. جدرانها السميكة وأبراجها الشامخة تشهد على زمنٍ طمحت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية للسيطرة على التجارة العالمية، لكنها في النهاية فشلت أمام مقاومة الإيرانيين.
في الحقيقة، تُعتبر قلعة البرتغاليين في قشم من أهم المعالم التاريخية في الجزيرة، حيث تعرض بأسوارها المنيعة وأبراجها المهيبة رواية حيّة عن حقبة الاستعمار البرتغالي في الخليج. وإذا كنت تخطط لزيارة هذا الأثر العريق، فابدأ رحلتك بشراء تذكرة طيران إلى قشم، لأن زيارة القلعة جزء لا يتجزأ من أي برنامج سياحي في الجزيرة. يمكنك أيضاً قراءة دليل السفر إلى قشم للاستعداد بشكل أفضل، حيث ستجمع رحلتك بين سحر العمارة الفريدة والإطلالة المذهلة على مياه الخليج الفارسي الزرقاء، في تجربة مختلفة تكشف تاريخ وثقافة جنوب إيران.
اليوم لم تعد القلعة حصناً عسكرياً، بل تحولت إلى متحف مفتوح في الهواء الطلق يعيد الزائرين إلى قلب القرن السادس عشر. وبكل تأكيد، فإن أي رحلة إلى قشم لا تكتمل دون زيارة هذا الموقع التاريخي المميز.