
وبلاگ سپهران | المهرجانات | مهرجان خردادجان (Khordadgan) | احتفال بعظمة إيران القديمة
يُعتبر مهرجان خردادجان احتفالاً عظيماً يعبّر عن عظمة إيران القديمة، أرض الأبطال الأسطوريين. إيران القديمة، بلد ذو ثقافة تمتد لآلاف السنين، كانت دائمًا في سعي لتنظيم الزمن والمناسبات، وقد استخدمت العديد من التقويمات المختلفة عبر تاريخها. من أبرز هذه التقويمات هو تقويم الحقبة الساسانية، حيث كان يُستخدم تقويمان منفصلان لكن مترابطين في آن واحد من قبل الناس والحكام. الأول كان هو تقويم “السنة المتنقلة” أو “التقويم الأوستائي الجديد”، حيث كان العام يُقسم إلى اثني عشر شهراً من ثلاثين يوماً، وكل يوم كان له اسم خاص به. ولكن بما أن السنة الشمسية تتجاوز 360 يوماً، كان يتم إضافة خمسة أيام إضافية في نهاية العام والتي كانت تعرف في الثقافة الإيرانية بأسماء مثل “بنجة”، “خمسة مسترقة”، “خمسة مسروقة” أو “أندرجاه”.
إلى جانب ذلك، كان يُستخدم تقويم آخر يُسمى “التقويم البيزكي” أو “السنة الثابتة”. وكان من أبرز مميزات هذا التقويم أنه كانت تُؤخذ سنة كبيسة مرة كل 120 سنة. وبسبب ذلك، ظل عيد النوروز وبداية السنة الجديدة في مكانها الفلكي الصحيح، مما منع انحرافها عن مسارها الطبيعي. كانت هذه الدقة والعناية في الحفاظ على التوازن الطبيعي للسنة، تشير إلى حرص الحضارة الإيرانية على التنسيق مع دورات الطبيعة.
في النظام التقويمي الإيراني القديم، لم يكن كل شهر ويوم فقط مرقماً، بل كان يحمل اسم أحد الآلهة الزرادشتيين. هذه الميزة جعلت من كل شهر أن يحتوي على يوم يتطابق اسمه مع اسم الشهر. وكانت هذه المطابقة هي السبب في إقامة “الأعياد الشهرية”، أحد هذه الأعياد القديمة التي كان لها جذور في المعتقدات والأساطير الزرادشتية هو مهرجان “خردادجان” الرائع.
خرداد هو الشهر الثالث في السنة وفي الوقت نفسه هو اسم اليوم السادس من كل شهر. وعندما كان اليوم السادس من شهر خرداد يحل، كان الناس يحتفلون به من خلال طقوس خاصة. في المعتقدات الزرادشتية، خرداد (في الأفستا: هئوروتات، وفي الفهلوية: خردات أو هردات) هو رمز الكمال، والخضرة، والازدهار، والحفاظ على المياه الجارية والنقية. وارتباطه العميق مع عنصر الماء، جعله سبباً في أن مهرجان خردادجان يمتزج بمفاهيم الإعمار، والحيوية، وحماية الموارد الطبيعية.
خرداد ليس فقط أحد الأمشاسبندان المقدسين في الديانة الزرادشتية، بل هو أحد المفاهيم الأساسية في النظرة الأسطورية الإيرانية للعالم. وتأتي كلمة “هئوروتات” في النصوص الأفستية بمعنى “الرساء والكمال”. إن وجود هذا الأمشاسبند جنبًا إلى جنب مع “أمرداد” (الخلود) في النصوص المختلفة من الأفستا، يشير إلى أهميتهما في حماية الماء والنباتات باعتبارها عناصر حيوية للحياة.
يقال إن يوم ولادة زرادشت، النبي الكبير للإيرانيين، وقع في هذا اليوم. وفي جزء من “اليسنا”، يقال إن أهورامزدا يهدي خرداد لأولئك الذين يتبعون الحق والخير في أفكارهم وأقوالهم وأفعالهم. في “البندهش”، أحد النصوص الأساسية بالفارسية القديمة، يُذكر أن خرداد مسؤول عن حماية المياه وأن مصدر الحياة على الأرض ينبع من عنده. كما أنه يُعرف بأنه سيد الزمن، السنة، الشهر، والأيام؛ لأن كل الحياة والنمو مرتبطة بطريقة ما بالماء الذي يحميه خرداد.
في المعتقدات الزرادشتية، خرداد هو أحد الأمشاسبندان الستة الرئيسيين، وهو رمز الكمال، والنقاء، وحماية المياه. في الأفستا، يُطلق عليه اسم “هَئورْوَتات”، وفي اللغة الفهلوية “خُردات”. هو مع أمرداد مسؤول عن الحفاظ على المياه والنباتات في العالم المادي. في المعتقدات الزرادشتية، يجب على الإنسان أن يرافق خرداد في سعيه نحو الكمال، لأنه يمثل تجلي الخصوبة والحياة.
في “الجات” الخاصة بزرادشت، يظهر خرداد مع أمرداد، وهذان يساعدان الإنسان على التخلص من العطش والجوع. لذلك، لا يعتبر خرداد فقط حافظاً للموارد المائية، بل هو أيضًا رمز للإعمار، والحياة، والازدهار.
يستمد مهرجان خردادجان من تطابق اليوم السادس مع شهر خرداد. في هذا اليوم، كان الإيرانيون القدماء يقيمون مراسم دينية وفرحة، تعبيرًا عن احترامهم للماء والطبيعة. كان هذا المهرجان فرصة لتكريم الطبيعة، وتنقية الجسد والروح، وتجديد مصادر المياه، وتجديد العهد مع الكون.
كان الإيرانيون القدماء يعتقدون أن تكريم هذا اليوم هو تكريم للوجود والنظام الكوني. في النصوص الدينية الزرادشتية مثل اليسنا والبندهش، جاء أن “أهورامزدا يمنح رساء خرداد لأولئك الذين تكون أقوالهم وأفكارهم وأفعالهم مبنية على الصدق”. من هذا المنطلق، يُعد مهرجان خردادجان أكثر من مجرد طقس موسمي؛ بل هو نوع من التطهير.
في طقوس مهرجان خردادجان، كانت تُستخدم العديد من الرموز. الماء كان العنصر الأكثر أهمية في هذا المهرجان؛ مصدر الحياة ورمز النقاء. كان الناس يجتمعون قرب الينابيع، الأنهار أو البحار، يغتسلون ويؤدون صلواتهم.
عنصر آخر كان هو زهرة السوسن وزهرة النيلوفر. كانت هذه الزهور تُعد رمزًا لشهر خرداد الإيراني في النصوص القديمة. كانت زهرة السوسن البيضاء تُعتبر رمزًا لـ “رائحة الصداقة” والنقاء، وكان الناس يتبادلونها مع أصدقائهم وأقاربهم للاحتفال بالحب، الروابط والحيوية.
كان النور والنار أيضًا يُحترمان في المعابد النارية. الصلاة أمام النار المقدسة والدعاء من أجل نقاء الأرض والمياه كانت جزءًا لا يتجزأ من طقوس هذا اليوم.
كان مهرجان خردادجان ليس فقط حدثًا دينيًا، بل كان أيضًا تجمعًا سعيدًا وحميميًا لشعب إيران القديم. في هذا اليوم، كان العائلات تذهب إلى الينابيع، الأنهار أو الأراضي الخضراء، تغتسل وتنشد الأناشيد وتفرح، مكرمةً أَمَشاسبند خرداد. بالإضافة إلى هذه الطقوس الاحتفالية، كان هناك اهتمام خاص بإعادة بناء القنوات المائية وتنظيف الآبار، لأن الماء كان مقدسًا ومصدرًا للإعمار.
كان رجال الدين والعلماء الدينيين في تلك الفترة يشيرون في رسائلهم وكتاباتهم إلى أهمية يوم خرداد. في كتاب “فروض نامه”، هناك اقتباس من تعليمات داراب بالين، كبير الكهنة الزرادشتيين، يشير فيها إلى طقس غسل الجسم بالماء وضرورة تنظيف القنوات والآبار في هذا اليوم. كما جاء في “أنذر أنوشه روان آذرباد مهر اسبندان” بشكل صريح أن في يوم خرداد كان من المعتاد حفر قنوات المياه المقدسة.
الأعياد في إيران القديمة كانت الأعياد تلعب دورًا مهمًا في حياة الناس في إيران القديمة، وكان معظمها مرتبطًا بالطبيعة والزراعة. كانت نوروز، مهرجان، سده وتيرگان من أهم الأعياد التي كانت تُعتبر رموزًا للسعادة، الصداقة، والشكر.
واحدة من المعتقدات الهامة لدى الزرادشتيين هي أن يوم ولادة النبي زرادشت قد وقع في يوم خرداد. هذا الاعتقاد عزز قداسة هذا اليوم في نظر أتباع الديانة الزرادشتية واعتبروه أحد أقدس الأيام الروحية في السنة. في العديد من المصادر الدينية الزرادشتية، تم الإشارة إلى مهرجان خردادجان باعتباره مكملًا لعيد نوروز الصغير.
وفقًا للتقاليد القديمة وبنية التقويمات التاريخية، يُعتبر اليوم السادس من شهر خرداد يوم مهرجان خردادجان. في عام 1404 هجري شمسي، يتزامن هذا اليوم مع تكريم هذه الطقوس القديمة. يمكن للإيرانيين الاحتشاد بالقرب من الأنهار، الينابيع أو حتى على شاطئ البحر، وتبادل الزهور مثل النيلوفر والسوسن، لإحياء هذه الإرث الثقافي وتجديد علاقتهم الروحية مع الطبيعة، التاريخ، وطقوس أسلافهم.
مهرجان خردادجان ليس مجرد طقس لتكريم يوم واحد، بل هو تعبير عن النظرة الرفيعة للإيرانيين تجاه الماء، الحياة، النقاء، الكمال والارتباط بالطبيعة. هذا المهرجان ينبع ليس فقط من التاريخ، بل من فلسفة الحياة الإيرانية. في وقت يواجه فيه العالم اليوم تحديات بيئية، قد تكون إعادة النظر في تعاليم الأعياد الحكيمة مثل مهرجان خردادجان طريقًا للعودة إلى التعايش، النقاء، والاحترام للأرض.