
وبلاگ سپهران | المجلة | أفضل الأطباق في المدن الساحلية الإيرانية؛ من الجنوب إلى الشمال
تعد المدن الساحلية في إيران، سواء تلك الواقعة في الشمال على امتداد بحر قزوين وسلسلة جبال البرز، أو المدن الجنوبية المطلة على الخليج الفارسي وبحر عُمان، من أكثر الوجهات السياحية جذبًا للزوار على الدوام. ولا تقتصر جاذبية المدن الساحلية الشمالية والجنوبية في إيران على المناظر الطبيعية الخلابة، والمناخ المعتدل، والأنشطة الشاطئية فحسب، بل إن التنوّع الثقافي الغني في هذه المناطق، من الشمال إلى الجنوب، هو ما جعل هذه الأرض وطنًا جامعًا للعديد من القوميات؛ حيث يعيش الإيرانيون بثقافات متنوّعة، لكن بلغة مشتركة وهوية واحدة. وعلى الرغم من وصول كلتا المنطقتين إلى البحر، فإن أفضل الأطباق في المدن الساحلية الإيرانية تُظهر اختلافًا واضحًا في النكهات وأساليب الطهي.
تُعَدّ الأذواق، وطرق الطهي، والمكونات المحلية من أهم العناصر التي تشكل الثقافات الطعام حول العالم. وبما أنّ إيران تُعرف بتعدّد أعراقها وقومياتها، فإن المأكولات المحلية تختلف من مدينة إلى أخرى. ورغم هذا التنوع في المطبخ، يشترك سكّان السواحل الإيرانية في سمة واحدة، وهي الاعتماد الكبير على الطبيعة في تحضير الطعام.
تضمّ أفضل الأكلات الإيرانية مجموعة واسعة من المشاوي، واليخنات، والحساءات، وأطباق الأرز التقليدية التي انتقلت وصفاتها عبر القرون من جيل إلى جيل. وقد تشكّلت هذه الأطعمة تحت تأثير البيئة الطبيعية، والتواصل الثقافي والتجاري مع الشعوب الأخرى، إضافةً إلى المعتقدات والعادات، لتُسهم مجتمعة في بناء الثقافة الغذائية الإيرانية.
في السطور القادمة، وبرفقة مدوّنة سبهران، نتعرّف على أفضل الأطباق في المدن الساحلية الإيرانية ونكتشف تنوّعها الغني ونكهاتها الفريدة.

يُعَدّ سمك عنكاس من الأطباق الشعبية الأصيلة والمحبوبة ضمن قائمة الأكلات المحلية في جزيرة قشم. والعنكاس هو نوع من الحبار (السمك المركّب) يُصاد من مياه الخليج الفارسي، وبما أنّ فصل الشتاء يُعتبر موسم صيد الأسماك الطازجة، فإن تناول هذا الطبق يكون أكثر شيوعًا خلال هذا الفصل.
يُطهى العنكاس في البداية مع التمر داخل الماء حتى يكتسب لونًا جذابًا، كما يساعد الطبع الدافئ للتمر على موازنة الطبيعة الباردة للسمك. بعد ذلك يُشوّح مع البصل، والملح، والتوابل، ومعجون الطماطم. ويُقدَّم سمك عنكاس كوجبة رئيسية، ويُفضَّل تناوله مع الخبز المحلي أو الأرز، إلى جانب إضافات مثل الليمون الطازج والسلطة.
في بعض الوصفات التقليدية، يُضاف الثوم والتوابل الجنوبية الحارة لإضفاء نكهة أقوى وطابع جنوبي أوضح على الطبق.
1. تحضير السمك
يُغسل السمك بالماء البارد جيدًا، ثم يُتبل بقليل من الملح، والكركم، والفلفل الأسود. بعد ذلك يُحفظ في الثلاجة لمدة تقارب 30 دقيقة.
2. تحضير الصلصة الجنوبية
يُقطّع البصل إلى شرائح رفيعة ويُشوّح في قدر مع الزيت حتى يصبح ذهبي اللون. يُضاف الثوم المهروس ويُقلّب قليلًا حتى تفوح رائحته. ثم تُضاف الكركم، والفلفل الأحمر، وبهارات السمك، ومعجون الطماطم، ويُقلّب المزيج حتى يتغيّر لون المعجون.
3. إضافة التمر الهندي والأعشاب
يُذاب التمر الهندي في ماء دافئ، ثم يُصفّى ويُضاف ماؤه إلى القدر. بعد ذلك يُضاف الكزبرة والحلبة، ويُترك المزيج على نار هادئة لمدة 15 دقيقة حتى تتكاثف الصلصة.
4. طهي السمك
تُرتّب قطع السمك بهدوء داخل الصلصة، ويُغطّى القدر ويُطهى على نار منخفضة لمدة 20 إلى 25 دقيقة، حتى ينضج السمك تمامًا وتتشرّب القطع نكهة الصلصة.

يُعَدّ مجبوس لحم من أشهر الأكلات الشعبية في جزيرة كيش، ويعود أصله إلى الثقافة الغذائية للدول العربية المطلة على الخليج الفارسي. يُحضَّر هذا الطبق من الأرز العطري مع لحم الغنم أو لحم البقر، ويُنكَّه بمزيج خاص من التوابل مثل الهيل، والقرفة، والزعفران، والفلفل، وماء الورد.
إنّ الرائحة الزكية والطعم الغني لهذا الطبق، اللذين انتقلا من تراث سكان جزيرة كيش الأصليين إلى موائد الغداء والعشاء لدى الزوار والمهاجرين، جعلاه من أشهى وألذ أطباق كيش. وتُعَدّ سلطة شيرازي أو الزبادي بالخيار من أفضل الإضافات التي تُقدَّم إلى جانب مجبوس لحم. كما أنّ الاطلاع على قائمة أفضل الأكلات المحلية في بندر عباس يعرّفك أكثر على التنوّع الغذائي لمحافظة هرمزكان.
1. تشويح اللحم
يُقطّع البصل إلى مكعبات صغيرة ويُشوّح في قدر مع الزيت حتى يكتسب لونًا ذهبيًا. يُضاف الثوم المفروم ويُقلّب قليلًا، ثم يُضاف اللحم ويُشوّح على نار متوسطة حتى يتغيّر لونه.
2. إضافة التوابل والطماطم
تُضاف الكركم، والقرفة، والكمون، والهيل، والقرنفل، وأنواع الفلفل، ويُقلّب المزيج حتى تفوح رائحة التوابل. بعد ذلك تُضاف الطماطم المبشورة ومعجون الطماطم، ويُطهى الخليط لبضع دقائق.
3. طهي اللحم
تُثقب الليمون المجفف (اللومي) ويُضاف إلى القدر مع ورق الغار. يُضاف مقدار كافٍ من الماء حتى يغمر اللحم، ثم يُغطّى القدر ويُترك على نار هادئة لمدة ساعة ونصف إلى ساعتين حتى ينضج اللحم تمامًا ويتركّز المرق.
4. إضافة الأرز
يُضاف الأرز المنقوع والمغسول مسبقًا لمدة 30 دقيقة إلى القدر. عند الحاجة، يُضاف قليل من الماء المغلي بحيث يكون مستوى الماء أعلى من الأرز بمقدار إصبع واحد. يُعدّل الملح ويُترك الأرز حتى يتشرّب الماء.
5. تبخير المجبوس
عند تبخّر الماء، تُخفّف النار ويُغطّى القدر، ويُترك المجبوس ليتبخّر لمدة 30 إلى 40 دقيقة حتى تتغلغل نكهة التوابل بالكامل في الأرز.

يُعَدّ مالابيج من الأكلات الشمالية الأصيلة في إيران، ويشتهر بشكل خاص في محافظتَي مازندران وجيلان، حيث يُحضَّر عادةً باستخدام سمك الأبيض الطازج من بحر قزوين على طريقة السمك المحشي. ويتميّز هذا الطبق برائحته الزكية ونكهته الحامضة المتوازنة، الناتجة عن مزيج الأعشاب المحلية الشمالية ودبس الرمان.
غالبًا ما يُطهى مالابيج على الفحم أو داخل الفر، لضمان نضج السمك من الداخل واكتسابه نكهة مدخّنة محبّبة تضفي عليه طابعًا تقليديًا مميزًا.
1. تحضير السمك
يُنظَّف سمك الأبيض جيدًا، ويُغسل، ثم يُترك كاملًا أو يُقطّع إلى قطع كبيرة حسب الرغبة. يُتبّل داخل بطن السمك بقليل من الملح، والفلفل الأسود، والكركم، ثم يُترك جانبًا.
2. تحضير حشوة المالابيج
يُفرم البصل ناعمًا ويُشوّح في مقلاة مع قليل من الزيت حتى يصبح ذهبي اللون. يُضاف الثوم المبشور ويُقلّب قليلًا حتى تفوح رائحته. بعد ذلك يُضاف الجوز المطحون ويُقلّب على نار هادئة حتى يفرز زيته.
3. إضافة دبس الرمان والأعشاب
يُضاف دبس الرمان إلى الخليط ويُحرّك جيدًا، ثم تُضاف الأعشاب العطرية المفرومة وتُقلّب لبضع دقائق حتى تنطلق روائحها الزكية. يمكن إضافة قليل من عصير الرمان للحصول على صلصة كثيفة وغنية النكهة.
4. طهي السمك
يُوضع السمك في قدر أو مقلاة عميقة، وتُحشى بطنه بالخليط المُحضَّر ويُوزّع جزء منه فوق السمك. يُغطّى الوعاء ويُطهى على نار هادئة لمدة 30 إلى 40 دقيقة حتى ينضج السمك تمامًا وتتشرّب القطع نكهة الحشوة.
في الطريقة الشمالية التقليدية، يُطهى طبق مالابيج غالبًا على نار هادئة أو داخل التنور المحلي، ما يمنحه مذاقًا تراثيًا فريدًا.

يُعَدّ لونگي (لَوَنگي)، وهو الدجاج أو البط المحشي على الطريقة الجيلانية والتالشية، من الأطباق التقليدية الأصيلة والفاخرة، ويُعدّ من أكثر الأكلات الشعبية شهرةً في آستارا وتالش وشمال إيران. يُحضَّر هذا الطبق باستخدام دجاجة أو بطّة كاملة، ويُحشى بمزيج غني من الجوز المطحون وأنواع الدبس الحامض-الحلو، ما يمنحه نكهة متوازنة ومميّزة.
ويعود اسم «لونگي» في اللغة التالشية إلى كلمتَي «لَوَ» بمعنى البطن و«نِگي/نَگ» بمعنى الملوّن، أي «البطن الملوّن»، في إشارة إلى الحشوة الغنية والمتنوّعة بالألوان والنكهات داخل الدجاج أو البط.
تختلف المكونات قليلًا حسب المدينة والذوق المحلي، لكن الأساس المشترك لطبق لونگي يشمل ما يلي:
لتتبيل الدجاج أو البط، يُستخدَم دبس الأسكدنيا مع قليل من الماء، والملح، والفلفل الأسود. بعد ذلك، يُحضَّر خليط الحشوة من الجوز المفروم، والزرشك، ودبس الأسكدنيا، والثوم، والبصل المبشور، والتوابل.
يُحشى نصف هذا المزيج داخل بطن الدجاج أو البط، بينما يُضاف النصف الآخر مع قليل من الماء إلى صينية الطهي حول الطائر. ثم يُوضَع الطبق في الفر ويُترك حتى ينضج تمامًا ويصبح اللحم طريًا ومتشبّعًا بنكهات الحشوة.
عند السفر إلى مدن تالش وآستارا، لا تفوّت فرصة تذوّق البط الجيلاني المحشي (لونگي)، فهو من التجارب الغذائية التي تختصر روح المطبخ الشمالي الإيراني في طبق واحد غني وعابق بالنكهات.

واويشكا هو أحد الأطباق المحلية والأصيلة في جيلان، ويشتهر بمذاقه اللذيذ وطريقة تحضيره السهلة، مما يجعله شائعًا بين السكان. يمكن تقديم هذا الطبق كوجبة رئيسية أو كوجبة خفيفة. تتكون مكوناته الرئيسية من قلب وكبد أو لحم الضأن، البصل، الطماطم، معجون الطماطم، والتوابل. لتحضيره، يُشوّح البصل أولًا، ثم يُضاف القلب والكبد أو اللحم، مع الطماطم ومعجون الطماطم، ويُطهى حتى تمتزج النكهات جيدًا. يُقدَّم الواويشكا مع الخبز الطازج، الخضار الطازجة، والمخللات المحلية.
يُعَدّ واويشكا من الأكلات المحلية الأصيلة في جيلان، وقد اكتسب شهرة واسعة بفضل طعمه اللذيذ وسهولة تحضيره. يمكن تقديم هذا الطبق كوجبة رئيسية أو كوجبة خفيفة، وهو من الأطعمة المرنة التي تناسب مختلف الأوقات.
ويُعتبر واويشكا في الأصل نوعًا من «چغور پغور» الشمالي، ويعود اسمه إلى الفعل الجيلاني «واويشتن» الذي يعني القلي، أي إن اسم الطبق نفسه يشير إلى طريقة طهي اللحم. وتشير إحدى الروايات إلى أنّ هذا النوع من الأكلات اللحمية انتشر في جيلان خلال فترة الحرب العالمية الثانية مع وجود الروس في المنطقة، ثم تم تكييفه مع الذوق المحلي. في المقابل، يؤكّد بعض الباحثين أنّ الطبق واسمه جيلانيان خالصان، وأنّ تلك الفترة لم تكن سوى سبب في ازدياد شهرته.
يُقدَّم واويشكا إمّا مع الخبز، خصوصًا كطعام شارع أو كعشاء بسيط، أو مع الأرز الأبيض الشمالي، وكلا الطريقتين شائعتان بين أهالي جيلان.
تتكوّن المكونات الأساسية لطبق واويشكا من كبد وقوانص الغنم أو لحم الغنم، إلى جانب البصل، والطماطم، ومعجون الطماطم، والتوابل.
لتحضير هذا الطبق، يُشوّح البصل أولًا في الزيت، ثم يُضاف الكبد والقوانص أو اللحم، وبعد ذلك تُضاف الطماطم ومعجون الطماطم حتى تمتزج النكهات جيدًا. يُقدَّم واويشكا عادةً مع الخبز الطازج، والأعشاب الطازجة، والمخللات المحلية.
يمكن تحضير واويشكا بطريقة بسيطة وسريعة، وذلك من خلال تشويح البصل واللحم المفروم، ثم إضافة الطماطم أو معجون الطماطم، والتوابل، وقليل من الماء، وترك المزيج على نار هادئة حتى يتكاثف.
وفي بعض الوصفات، تُضاف مكعبات البطاطس المقلية في المرحلة الأخيرة لزيادة كثافة الطبق وإثراء نكهته. يُقدَّم هذا الطبق مع الخبز الطازج أو إلى جانب الأرز الأبيض، وغالبًا ما يُرافقه المخلل أو الزبادي على المائدة.
تُشكّل أفضل الأطباق في المدن الساحلية الإيرانية، من الخليج الفارسي جنوبًا إلى سواحل بحر قزوين شمالًا، مرآةً واضحةً للحياة قرب البحر، وللاستفادة الذكية من الأسماك الطازجة والتوازن بين الطبائع الحارة والباردة للمكونات. فمن عنكاس الجنوب إلى مالابيج، ولونگي، وواويشكا الشمال، يمكن ملاحظة أثر الثقافة المحلية، والمناخ، والمعتقدات الغذائية، والذوق الإقليمي في اختيار نوع السمك أو اللحم، والأعشاب، والتوابل، وأساليب الطهي.
في الجنوب، تعتمد أطباق مثل سمك عنكاس ومجبوس لحم على التوابل الحارة، والتمر، والدبس الحامض-الحلو، مع التركيز على تحقيق التوازن الغذائي بين الحرارة والبرودة، وهو ما يعكس أسلوب حياة سكّان الخليج في الجمع بين منتجات البحر والنخيل.
أمّا في الشمال، فتُقدّم أطباق مثل مالابيج، ولونگي، وواويشكا مزيجًا عطريًا غنيًا من سمك الأبيض، والجوز، والدبس المحلي (الأسكدنيا، البرقوق، الرمان)، إلى جانب الأعشاب العطرية أو اللحم والطماطم، لتصنع صورة شهية للمطبخ المطري والأخضر في جيلان ومازندران.
والقاسم المشترك بين جميع هذه الأكلات هو بساطة المكونات مع دقّة التتبيل؛ إذ استطاعت كل منطقة، باستخدام مواد متوفرة مثل السمك، واللحم، والبصل، والأعشاب، والدبس، والتوابل، أن تبتكر أطباقًا تحمل هوية محلية واضحة، وفي الوقت نفسه تتحول إلى جزء لا يتجزأ من تجربة السفر إلى المدن الساحلية الإيرانية بالنسبة للزوّار والسياح.